بعض الأغاني تحملك إلى حيث لا تريد , و رغما عنك إلى حيث تتجنب دوما الذهاب ,, الوجع الذي تخاف أن تطأ أرضه قدماك المتعبتان .. هذه لها شياطين تعبث برأسي , و شعري الطويل على حد سواء أغني معها .. فقط تفادياً لسكتة قد تصيب الذاكرة .. أن تنبش ماضيك , و لو بدا قصيرا نوعاً ما , و تبحث بين غباره عن ألم خلفته ورائك ,, فقط لأنك تريد لحياتك أن تعود لسيرها الطبيعي ,, و تتفنن في الإصغاء لحزن , بدا لك أنه اختفى للأبد و دون رجعه ,,
الآن , لا شيء يذكر .. سوى تحديقي في هذه الأغنية ,, و التمعن في كشف مفاتنها و الرحيل بعيدا ,, إلى حيث أتعلم من جديد كيف يحاك العمر بأكمله حول حلم .. الرحيل نحو منفى أقرب من وطن , لأصدق .. و كما تقول الموسيقى أننا قادرين على تجاهل الوقت .. لكننا .. هل سنكون يوما قادرين على تجاوز أثره .. سأؤمن بالجماليات هنا .. و إن بدت خادعة ..
كان الطلب منالجميلة سارة, كشف 5 أشياء عنها لا يعرفها أحد .. لذا وجدت أمامها الكثير لتخبر عنه ,, عدد كتبها , ألوانها المفضلة , زجاجات العطور التي تملئ الغرفة , الضوء الذي تحب الاحتفاظ به على شكل نقط ملونة , موسيقتها التي تعشق ,عاداتها الغريبة ,, و الكثيرة .. مالا تعــرفونه .. عــن آرتميس .. 1- آرتميس ,, لم تخبر الكثير عن عمرها الحقيقي .. البعض يعتقد أنها أكبر سنا بكثير .. يمكنكم القول أنها مازالت تحب حتى الآن الاحتفاء بالحياة حولها كطفل في الثالثة من عمره ,, و في نفس الوقت تحب مشاركة الكبار ,, أحاديثهم , أيامهم التي تبدو مثيرة جدا لفضولها ,, و أفكارهم .. 2- آرتميس , لديها إدمان من نوع آخر,, على كثير من الأشياء .. تحب تجميع فناجين القهوة بمختلف أشكالها و ألوانها بإفراط شديد ,, تملك تقريبا ما يزيد عن 50 فنجانا , تبعاً لآخر إحصاءات الذاكرة .. تحب الاحتفاظ بقوارير العطور الفارغة , لا تحب التخلص منها , فلكل منها ذكرى خاصة جدا عندها ,, و في الوقت نفسه ,, لا تشتري العطر نفسه مرتين أبدا ,, تحب شراء المنحوتات الرأسية .. لديها حاليا 4 و ( حاطه عينها على واحد خامس ) لعل هذه العادة هي أكثر عاداتها تكلفة , لكنها و على حد قولها لا تستطيع مقاومة الجمال و تحب النحت ( و مو طالع بايدها ) لذالك تحب الاحتفاظ بهذه الأعمال الفنية , لعلها ذات يوم تتمكن من صنع مثلها .. بعد أن كان لها تجربة سابقة , تولد عنها تمثال رأسي , بشع الملامح , يسبب الذعر ,, تخلصت منه فورا و دون تردد .. 3- أيضا لديها عادات غريبة جدا .. تحب إطلاق الأسماء على الأشياء من حولها .. لكل شيء من ممتلكاتها اسم خاص به , و في اغلب الأحيان لا تتذكر الأسماء ! .. حقيبة يدها ..لا تخلو أبدا من كاميرا صغيرة و ديوان شعر , بالإضافة إلى الأمور الأخرى المعتادة .. و في أغلب الأحيان الديوان يكون الجدارية لمحمود درويش ,, هذا الديوان قرأته ما يزيد عن العشرين مرة ,, و مازالت تفعل كلما شعرت بشوق للذهول .. 4- لا يمكنها أن تخرج من بيتها إطلاقا دون خاتمين , تلبس أحدهما في اليمين و الآخر في الشمال , على الأول نقش بيت شعر لامرئ القيس و على الثاني بيت شعر للمتنبي .. 5- و أخيرا ,, آرتميس تحب الضوء كثيرا , تحب الألوان و تخليد الفتنة من حولها ,, لذلك فقد عشقت التصوير , و أصبحت شيئا تتقن القيام به – على حد قولها – و بسعادة مفرطة .. سارة عزيزتي .. شـــكراً لك .. 
الهي ... هم لا يعـلمون ,, فسامحهم على جهلهم , و على شغفنا به .. و بهم الهي .. إن كانت قلوبنا تعجز عن استيعاب كل هذا الفقد .. و كل هذا الغياب فامنحنا قلوباً غيرها , أصغر منها حجما ,, و أبسط من كل تعقيدات الأبجدية .. لنعرف من جديد , كيف الدرب إلى النهار .. و ارفع عنا خطايانا الأولى ,, و اجعلها نجمة في هذه السماء , حتى نبكي كلما هطل الليل , و لم نجد أمامنا سوى ذلك الضوء الخافت ... ضوء خطايانا و أعطنا خبز كفافنا , و سكون نأوي إليه بعد يومنا المتعب .. رد لوجوهنا ألوانها و لصوتنا تجاعيد الماء و لصدرونا ما يبقينا على قيد الحياة .. فنحن أصغر من كل هذا الحنين ,, أصغر من تضرعاتنا .. و أكبر من الكلمات ,, و إن اعتلت منصة العمر.. الهي .. اغفر لنا جنوننا المتــعـمد .. و غير المتـعمد .. و اسحب منا الشوق المتوتر و امنحنا القليل من السكون لنأوي في ليلنا نحمل بين أصابعنا خريف مدينة أرهقها الذبول .. أحلامنا .. اجعلنا بمتناول يدها .. فهي أكبر منا بكثير ,, و أقوى منا و إن ارتكبناها – نحن – بإرادتنا اجعلنا قادرين على محاكاة لونها و الاقتراب من حدودها الهلامية اجعل أقدارنا منوطة بالقدر وحده .. لا شيء غيره ,, لا وطن يجذبنا نحوه أو حلم يهبط على سطح منامنا ,, أو غياب – مقصود – يستنزف فينا الحياة .. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض
لا أذكر الكثير عن الأيام السابقة , معظم ما أعرفه أنه كانت ملونة ولها طعم السكر و الحلوى
أعرف أن النجوم كانت تعتريني من رأسي حتى أخمص قدماي , و أن النوم كان يعرف طريقه إلي دون حبوب النوم و أن الأحلام كانت أكثر وضوحا , و أقل مدعاة للقلق
تبقى يومين للموعــد .. لا أعرف بالفعل كيف سيبدو ذلك اليوم ,
بالتأكيد سيكون مختلفا جدا ,,
سأقفل على نفسي الباب و أجرب الاختفاء , و ألبس لأول مرة في حياتي دور الشبح و أتوارى عن الأنظار ,
وحدي فقط , مع أناي التي تعرفني جيدا و تعرف كل أسراري ,
أقتص من أوراقي القديمة بما فيها قلبي , و أصنع منهم طائرات ورقية و أطلقها بين غيوم هذه السماء ,
أعتقد أني لم أعد بحاجه لهذا القـلب , بعد هذا العمر تمكنت من أعيش متكئه على عقل لا يخذلني و ذاكرة تتصرف وفق هواها ,,
( عندما يجف ماء القلب تزداد الجماليات تجريدا ) *
و أنا ,, بعدما جف قلبي , وجدت أن لاشيء في هذه الدنيا يستحق الانتظار أو تغيير مجرى الحلم لأجله ,
قلبي الجــاف هذا , لم أعد أهتم لأمره , لم يعد هناك متسع من الوقت و المكان له, فليتدبر أمره دوني ,
و ليكبر بعيدا عني , و يحوي في أعماقه من يريد ,,
و كإجراء احترازي فقط , و للتقليل من الصدمات التي قد تصيبني في ذلك اليوم , سأقطع عن نفسي كل وسائل الاتصال بالعالم الخــارجي , سأنسى الأسماء كلها و العناوين , الرموز و الأرقام ,, قوانين المنطق و الحساب
وحدي فقط ,, أريد قضائه ,
أريد فقط أن أعرف ماذا تعني الولادة في قلب الشتاء ,,
شهوة الدفء رغم المسافات , الشوق اللحوح لوطن يحتضنك بقوة و يلغي من على يديك آثار المنفى ..
أريد أن أعرف شعور غريبين , سيفرقهما الزمن عاجلا أم آجلا , كان اللقاء في محطة انتظار ,, من نوع آخر
و على الطرف الآخر من اليوم , أطلقت الأناشيد احتفالا بسطوة القــــــدر ..
أريـــد أن أجـــرب من جديـــد , تجربة الانتقال إلى رحم البرد
سأستحضر الرياح و المــطر , شريكا المــهد , و نتقاسم سوية خبز الصباح و حكايات العمر المنسية ,,
سأتقمص دور عجوز في السبعين , و أضع صور كل من أحب إلى جواري , أستمع للموسيقى و أبكي بهدوء إن قست علي الذكريات ,, أطعم قطط الشوارع فضلة من ماضيّ و أسقي ورود نسيها الذبول
سأحملني إلى ما قبل الميلاد , و عندما يبدأ التاريخ بالانسكاب بهدوء كاحتضارات المطر سأتخلص من كوني أنا و أقلق الأرصفة بتشردي ,
سأدخن ورد الحدائق و أشرب الفقدان دون أن أخاف من أن يجرح حلقي طعمه اللاذع ..
سأخفي شعري الكستنائي تحت قبعة مهترئة و أتسلق إحدى الزوايا , أستمع لأحاديث الشرفات
سأنكر أن هذه العيون الخضراء تخصني , و أعيش دور الهارب من الشرطة ...
وحدي , أريد أن أعرف من جديد , كيف أعود لتلك الطفلة التي تمضغ الفرح و تملئ يومها بالفساتين القصيرة و الأساور ,
أقص الأكاذيب المضحكة على أمي و أمسح بطرف يدي بقايا الشوكولا من على فمي ,,
وحدي , أنسق ألوان الطيف بتروي , و أصنف الكتب وفقا لعدد حروفها و أسماء أبطالها ,,
أذكر لحظاتي الأولى في هذه الحــياة ,, وحدي
لأعود من جديد إلي ,, أرمي كل أحاديث النميمة من وراء ظهري , و أنفض من علي الأعشاب الضارة و آثار العمر الجانبية ,,
لأعود من جديد إلي ,, بعد كل هذا الوقـــت ,,
♪♫ كل عـــام و أنــــا ( كما يحلو لي أن أكـــون )♫♪
لكل الغرباء في حياتي , لكل الغرباء الذين لم أقابلهم بعد ,, و الذين قابلتهم و نسيت أنا الغريبة معالم غربتهم ,, طوبى لنا نحن الغــــرباء ,, لنا الذكرى و سنرث يوما لون الأرض , و دون قتال , دون دموع و دماء , سنحكم قبضتنا على معدن العمر ,, يا بلاد الفقر المقدح ,, ارحلي عن مساماتنا و دعي لنا الفرح الشاذ الفرح الشاذ وسط ورود المقابر و على أرصفة السفر ,, و الموانئ , و لأني أؤمن بتناسخ العصور سيأتي وقت نفقد فيه غربتنا المحببة و نلتقي صدفة بالوطن و المـهد ,, و سرير الموت الأخير ,, و لأني أحب الفرح الشاذ ,, سأهبه لكل الغرباء حولي و أولهم روحي ,, المتشربة طعم الهجرة و السفـــــــــــر,,, يا بلاد تتقن صف المواجع ,, ارحلي عن مدامعنا فهي لم تعد تتسع للمزيد من المعزين و المزيد من صلوات المغفرة ,, و بن القهوة المرة ,, و لأني أتقن تمييز معالم الموسيقى بكل وضوح ,, و لأني أعرف الفرق بين هلال أول الشهر و آخره أنسج واقعنا المنكمش ليسهل علي قصه و رميه في أقرب أرض محتضرة... و لأني أحب غربتي , سأحتفظ بها حتى الرمق الأخير ,, سألبسها ملابس طفولتي , و أمسح شعرها كل صباح و أضعها في حقيبتي لأطلع كل أصدقائي عليها فـ طوبى لنا نحن الغرباء ,, وجع الأرض و ماء السماء .. 
وجهان لعملة واحدة , الحــب ربما ,, تشاركنا نفس الأيام , العثرات , الخيبات , نفس الصخب , الضحك المتهور ,, و الاسم ,, هنــا أصابعي تحاول مجاراة المنطق و تسجيل أعياد عقلي على الورق , محاولة فاشلة بالتأكيد , فأنا و قبل أن أبدأ بأي شيء , كنت على يقين تام بأن كل ما أحاول صياغته هنا سيأتي مصابا بنقص ما , بتشوه أو تقزم في أطرافه ,, لا لشيء , لا لأني ابتعدت عن الكتابة لفترة ليست بالقصيرة , أو أن المصطلحات الطبية و أسماء الأمراض غلبت على أحاديثي , و لكن لأنه و على الطرف الآخر مني , من عقلي و بعيدا عن الجســد و مسافاته , جزء مني , يذكرني دوما.. ألجأ إليه عندما تقرر روحي الاعتصام و التمرد حتى إشعار آخر .. هي , الحجر القابع على أرض الروح , تحميها دوما من الابتعاد و نسيان هذه البلاد المتعبة , لا أعرف كيف يمكن لنا أن نكون على هذه الدرجة من التوافق ,, يصدمني دوما , عندما أتذكر ماضينا سوية , كنت أنظر إليها و لا أتصور في يوم من الأيام أن نكون على هذه الدرجة من التوافق , لا أعرف لم ؟ قليلون هم من أستطيع الاعتياد عليهم و الاندماج معهم , هي كانت من هذه القلة .. كأجنحة الفراش الخفيفة , تجئ من الضوء كل صباح , لأعرف حينها أن البيت قريب مني , و أن الملامح التي أحب على بعد خطوات من الجسد المضرج بالحنين , هي لا تعرف أن ظلها بقربي أينما أذهب , و أنه من الصعب جدا علي أن أضيع الطريق إلى حروف اسمي ذات يومي ,, هي ,, و أنا , كلانا يكمل نقص الآخر , صديقتي التي أحب , أفتقد , أحن إليها - إلى آخره من أفعال المضارع المتأثرة بالغياب - هي أنا , في عمر أكبر بثمانية أشهر , بملابس أطول و شعر أقصر ,, هي أنــا بهدوء لا أرتكبه في معظم الأوقات , بعشق غريب للشتاء و المطر ,, المطـــر ,, يأتي هذا العام , كما كل مرة , متقلب المزاج , حاد الطباع و يؤنبني بحدة دائما , إلا أنه هذه المرة حمل الكثير من ملامح تلك الأيام , من صوتها , و أطراف ملابسنا المبللة بشغبه ,, كنا نتصرف وفق تلك اللحظات , نتجاهل الوقت و الأرقام التي تعبر عن عدد السنين التي قضيناها داخل هذا الجسد و على أرض الحياة ,,, أحيانا كثيرة , نتلبس الجنون و نشاطر الكبار مقاساتهم التي لا تليق بنا على الإطلاق ,, صديقتي ,, تعرفين جيدا أني أملك الكثير من الأحلام التي تبدو لي أنها تتمرد أكثر فأكثر , و تعلمين أنها تحملني بعيدا جدا , و لكنك تعرفين أيضا أني أسعى ورائها مهما كلفني ذلك الأمر ,, أنت الآن ,, طريق الحلم , و الدليل إلى نفسي التي اختلطت علي ملامحها ,, أعرف طريق العودة جيدا ,, فلا تفزعي ,, و هو قريب بالمناسبة ,, جل ما أحتاجه هو صلواتك ,, (ن) ..
أينما وجد الظلم فذلك هو موطني – جيفارا .. حسنا ,, فليــكن .. 1917 أشهر قبل الثورة البلشفية , تجمع شعرها على عجل و لا تهتم كثيرا بالمرآة , العطر تحبه إنما في المناسبات فقط , و أحمر الشفاه سرها الذي لم يكشف بعد , و ما تخبئه للأيام القادمة ,, ( غدا سيصبح القدر إلى صفنا ) تقول بينها و بين نفسها, تحمل حقيبتها و تخرج من بيتها ,, صقيع موسكو لا يعنيها , و الميادين الباهظة حكرا على ذوي الدم الأزرق و الياقات المخملية ,, في الأزقة توزع المنشورات السرية و تلصق الأحلام على الجدران الحجرية , أدخنة البيوت المجاورة تلتقي بالضباب , فتعيق القدرة على التنفس و الرؤية .. كنت أسأل نفسي كثيرا لم لم أولد في تلك الفترة , لمَ لم أحمل بين يدي الأسرار الثورية و أنقلها من مكان إلى آخر بحذر ؟ كنت أتمنى لو أني وجدت بإحدى الاجتماعات السرية للثوار , في روسيا أو كوبا أو أي بقعة أخرى من الأرض ,, لا يهم ,, أريد فقط أن أعيش إحدى هذه اللحظات التي يقرر فيها الجنون أن يتقمص جسد الشعب و يسيره كالطوفان نحو القصور البيضاء .. في تلك الفترة , انهمكت بقراءة مؤلفات تروتسكي و انجلز .. و عندما قرأت البيان الشيوعي أصبت بالذهول ... كنت اشعر بانتماء غريب لكل من يفترش الطرقات و يهيم على وجهه في الشوارع دون العلم أين ينتهي المسير , موطن الظلم هو موطني ,,, و تعثرت بتلك المواطن .. حاولت إلغاء العواصم و سطوة الأختام على جوازات السفر .. فنسيت لون شعري و أخذت أعد على أصابعي عمري الصغير .. و كلما أخطأت بالعد صرخت بأعلى صوتي في وجه الضجر و استندت على إحدى الجدران و أعدت المحاولة من جديد .. أحببت كل الثوار , و ألصقت صور جيفارا في وسط غرفتي , كنت أكثر من اللون الأحمر في ملابسي , حقيبتي المدرسية و حتى الأقراط التي أحب , قصائد بوشكين كانت خبزي اليومي ... شعر الثورة و الثوار ,, و هنا فتاة صغيره تحاول التمرد على الأسقف العالية و قصص جدها الإقطاعي .. .. لم أجد التنسيق بين ملامح وجهي الهادئة و كل تلك الثورة و الصخب , كل تلك المشاعل التي تضئ ليل موسكو الملتهبة , كل تلك الحملات المجنونة , المنشورات الممنوعة , الطلقات و المشانق المشاعة .. لم أجد توزيع قصص جدي على كل رفقائي الثوار , فتوقفت عن الصراخ في الاجتماعات السرية و عدت إلى منزلي أجرر خيبتي و أعدل من لون أحمر الشفاه .. تعبت من انتظار الرفيق الذي لن يأتي , الذي نسى نفسه في زحام الوقت و اختلطت عليه معالم الأيام, أو ربما أضاع دمه في حرارة الفودكا الروسية ,فنسى تلك الصغيرة التي هربت من قيلولتها و انتظرت , تراوغ البرد و ترمق المتربصين بها بنظرات ساخرة , كانت تعتقد أنه سيأتي , و بسترته الرمادية سيحميها من شظايا القلق التي تحيط بالطريق , و عندما يئست من الانتظار أغمدت تلك التصورات في قلب الثلج و قالت ( في القلب متسع لحب أقرب ) و أفسحت الطريق للحشود الغامرة .. أحببت الظلم القادر على صنع كل هذه الإرادة , كرهت الثورة و فزعت منها عندما تخيلت صورة القيصر نيكولاي و عائلته مقتولين برصاص البروليتاريا , لم أعش تلك الفترة جسديا , لكني و لسبب أجهله عندما قرأت تاريخها شعرت بانتماء شديد لها , شعرت أني عشتها و أعرفها , تخيلت الوجوه و كانت كما تخيلتها, شممت رائحة القصور الملكية و الأنفاق السرية .. و كأن روح ذلك الزمان تسللت إلى داخلي ,, بعد ثلاثة أشهر , أصبحت تستهويني أكثر الحضارة الفارسية , خلال تلك الفترة قرأت( سمرقند لأمين معلوف ) , تشبعت الغرفة عندي بروائح أسواق الشرق القديمة , رائحة البهارات و الحب الذي يحمل لون الشمس , كان عمر الخيام يقف قرب باب غرفتي و يقرأ لي بتمهل رباعية صغيره , في يده كأس يبجلها و نداءات الخلافة , و الموسيقى الشرقية تعبث بالمكان .. عدت بنفسي إلى الوراء , إلى حجارة برسبوليس , و النقوش التي تمجد النار و الإمبراطور .. أردشير الثاني و من بعده الثالث, قورش و في النهاية داريوس و طعنة الاسكندر التي أصابت قلب الدولة الأخيمينيه ,, عدت بنفسي إلى صهيل الخيل و لون التراب و الماء و رائحة البلاد .. لم أكن حينها ثائرة , ربما فتاة عادية , تعشق ذلك المكان و لا تنتظر شيئا من السماء .. تعرف كيف تقص سراب الحرير و تخيط منه منديلا تزرعه في عطر قديم , من الزنجبيل و القرنفل الذي يجيد رواية قصص الحب .. بعدها وجدتني أتلصص على جيراني الإغريق , انتظر في إحدى الموانئ القديمة سفينة من اليونان تحمل زيتون و أساطير .. تحمل مطر بلون الأشعار أبحث عن نقطة ضعف في قلب من يرفع الشراع , و أعرف جيدا أني سأجدها يوما ,, فكعب أخيليوس لم تبقى خفية لوقت طويل .. على السفينة رموز الالهه و رسومات قديمة تمثل الهواء و الماء .. عرفت جميع أعمدة معبد آرتميس في إفسس , استطعت تمييز النقوش على الجدران , و شممت رائحة القرابين التي تقدم لشقيقة أبوللو و سيدة القمر .. أحببت هوميروس , و رفضت فكرة كونه أعمى .. فقد أبصر الكثير مما لم يبصره غيره , مما يتجاهلون الأعياد الكامنة قربهم ,, و يعبرون إلى جحيم أبعد عن التصورات .. مساكين هؤلاء .. بالفعل .. لا يعرفون حجم الحب المسخر لأجلهم .. و يساءلون الوقت عن النسيان باستمرار.. لهم نسيانهم , لهم ما أرادوا من فقد و غياب .. و للمنتصرين على ذكرهم جنة تخلو منهم .. الحضارة الإغريقية أرتني أوديسيوس , يبحث عن وطنه و بينلوب التي لم تفقد له أثر .. ربما أوديسيوس هو الرجل الوحيد الذي يستحق أن تنتظره المرأة .. فجميع النساء بالنهاية بينلوب و كلنا نحب تراب ايثاكا , و كلنا سنخيط يوما ما عزلتنا بانتظار الرياح التي قد تحمل لنا ذكر من ضل الطريق إلينا.. كلنا سنتعثر يوما بالشخص الخاطئ , في طريق هروبنا من حزن قد يصرخ في وجهنا . التاريخ كان و مازال يستعمر يومياتي , بكل تفاصيلها و لا بد أن يطرق مسامعي ذكره كل يوم بالرغم من كل الحضارة الحديثة التي تصيب أطرافي بعجز على الحلم .. جلجامش أضاع النبتة و لكنه عثر على الخلود, أنكيدو صارع الثور البري , فقد حياته لكنه لم يفقد ذكره عند صديقه , أدونيس , أضاع وجوده في العالم








