أينما وجد الظلم فذلك هو موطني – جيفارا .. حسنا ,, فليــكن .. 1917 أشهر قبل الثورة البلشفية , تجمع شعرها على عجل و لا تهتم كثيرا بالمرآة , العطر تحبه إنما في المناسبات فقط , و أحمر الشفاه سرها الذي لم يكشف بعد , و ما تخبئه للأيام القادمة ,, ( غدا سيصبح القدر إلى صفنا ) تقول بينها و بين نفسها, تحمل حقيبتها و تخرج من بيتها ,, صقيع موسكو لا يعنيها , و الميادين الباهظة حكرا على ذوي الدم الأزرق و الياقات المخملية ,, في الأزقة توزع المنشورات السرية و تلصق الأحلام على الجدران الحجرية , أدخنة البيوت المجاورة تلتقي بالضباب , فتعيق القدرة على التنفس و الرؤية .. كنت أسأل نفسي كثيرا لم لم أولد في تلك الفترة , لمَ لم أحمل بين يدي الأسرار الثورية و أنقلها من مكان إلى آخر بحذر ؟ كنت أتمنى لو أني وجدت بإحدى الاجتماعات السرية للثوار , في روسيا أو كوبا أو أي بقعة أخرى من الأرض ,, لا يهم ,, أريد فقط أن أعيش إحدى هذه اللحظات التي يقرر فيها الجنون أن يتقمص جسد الشعب و يسيره كالطوفان نحو القصور البيضاء .. في تلك الفترة , انهمكت بقراءة مؤلفات تروتسكي و انجلز .. و عندما قرأت البيان الشيوعي أصبت بالذهول ... كنت اشعر بانتماء غريب لكل من يفترش الطرقات و يهيم على وجهه في الشوارع دون العلم أين ينتهي المسير , موطن الظلم هو موطني ,,, و تعثرت بتلك المواطن .. حاولت إلغاء العواصم و سطوة الأختام على جوازات السفر .. فنسيت لون شعري و أخذت أعد على أصابعي عمري الصغير .. و كلما أخطأت بالعد صرخت بأعلى صوتي في وجه الضجر و استندت على إحدى الجدران و أعدت المحاولة من جديد .. أحببت كل الثوار , و ألصقت صور جيفارا في وسط غرفتي , كنت أكثر من اللون الأحمر في ملابسي , حقيبتي المدرسية و حتى الأقراط التي أحب , قصائد بوشكين كانت خبزي اليومي ... شعر الثورة و الثوار ,, و هنا فتاة صغيره تحاول التمرد على الأسقف العالية و قصص جدها الإقطاعي .. .. لم أجد التنسيق بين ملامح وجهي الهادئة و كل تلك الثورة و الصخب , كل تلك المشاعل التي تضئ ليل موسكو الملتهبة , كل تلك الحملات المجنونة , المنشورات الممنوعة , الطلقات و المشانق المشاعة .. لم أجد توزيع قصص جدي على كل رفقائي الثوار , فتوقفت عن الصراخ في الاجتماعات السرية و عدت إلى منزلي أجرر خيبتي و أعدل من لون أحمر الشفاه .. تعبت من انتظار الرفيق الذي لن يأتي , الذي نسى نفسه في زحام الوقت و اختلطت عليه معالم الأيام, أو ربما أضاع دمه في حرارة الفودكا الروسية ,فنسى تلك الصغيرة التي هربت من قيلولتها و انتظرت , تراوغ البرد و ترمق المتربصين بها بنظرات ساخرة , كانت تعتقد أنه سيأتي , و بسترته الرمادية سيحميها من شظايا القلق التي تحيط بالطريق , و عندما يئست من الانتظار أغمدت تلك التصورات في قلب الثلج و قالت ( في القلب متسع لحب أقرب ) و أفسحت الطريق للحشود الغامرة .. أحببت الظلم القادر على صنع كل هذه الإرادة , كرهت الثورة و فزعت منها عندما تخيلت صورة القيصر نيكولاي و عائلته مقتولين برصاص البروليتاريا , لم أعش تلك الفترة جسديا , لكني و لسبب أجهله عندما قرأت تاريخها شعرت بانتماء شديد لها , شعرت أني عشتها و أعرفها , تخيلت الوجوه و كانت كما تخيلتها, شممت رائحة القصور الملكية و الأنفاق السرية .. و كأن روح ذلك الزمان تسللت إلى داخلي ,, بعد ثلاثة أشهر , أصبحت تستهويني أكثر الحضارة الفارسية , خلال تلك الفترة قرأت( سمرقند لأمين معلوف ) , تشبعت الغرفة عندي بروائح أسواق الشرق القديمة , رائحة البهارات و الحب الذي يحمل لون الشمس , كان عمر الخيام يقف قرب باب غرفتي و يقرأ لي بتمهل رباعية صغيره , في يده كأس يبجلها و نداءات الخلافة , و الموسيقى الشرقية تعبث بالمكان .. عدت بنفسي إلى الوراء , إلى حجارة برسبوليس , و النقوش التي تمجد النار و الإمبراطور .. أردشير الثاني و من بعده الثالث, قورش و في النهاية داريوس و طعنة الاسكندر التي أصابت قلب الدولة الأخيمينيه ,, عدت بنفسي إلى صهيل الخيل و لون التراب و الماء و رائحة البلاد .. لم أكن حينها ثائرة , ربما فتاة عادية , تعشق ذلك المكان و لا تنتظر شيئا من السماء .. تعرف كيف تقص سراب الحرير و تخيط منه منديلا تزرعه في عطر قديم , من الزنجبيل و القرنفل الذي يجيد رواية قصص الحب .. بعدها وجدتني أتلصص على جيراني الإغريق , انتظر في إحدى الموانئ القديمة سفينة من اليونان تحمل زيتون و أساطير .. تحمل مطر بلون الأشعار أبحث عن نقطة ضعف في قلب من يرفع الشراع , و أعرف جيدا أني سأجدها يوما ,, فكعب أخيليوس لم تبقى خفية لوقت طويل .. على السفينة رموز الالهه و رسومات قديمة تمثل الهواء و الماء .. عرفت جميع أعمدة معبد آرتميس في إفسس , استطعت تمييز النقوش على الجدران , و شممت رائحة القرابين التي تقدم لشقيقة أبوللو و سيدة القمر .. أحببت هوميروس , و رفضت فكرة كونه أعمى .. فقد أبصر الكثير مما لم يبصره غيره , مما يتجاهلون الأعياد الكامنة قربهم ,, و يعبرون إلى جحيم أبعد عن التصورات .. مساكين هؤلاء .. بالفعل .. لا يعرفون حجم الحب المسخر لأجلهم .. و يساءلون الوقت عن النسيان باستمرار.. لهم نسيانهم , لهم ما أرادوا من فقد و غياب .. و للمنتصرين على ذكرهم جنة تخلو منهم .. الحضارة الإغريقية أرتني أوديسيوس , يبحث عن وطنه و بينلوب التي لم تفقد له أثر .. ربما أوديسيوس هو الرجل الوحيد الذي يستحق أن تنتظره المرأة .. فجميع النساء بالنهاية بينلوب و كلنا نحب تراب ايثاكا , و كلنا سنخيط يوما ما عزلتنا بانتظار الرياح التي قد تحمل لنا ذكر من ضل الطريق إلينا.. كلنا سنتعثر يوما بالشخص الخاطئ , في طريق هروبنا من حزن قد يصرخ في وجهنا . التاريخ كان و مازال يستعمر يومياتي , بكل تفاصيلها و لا بد أن يطرق مسامعي ذكره كل يوم بالرغم من كل الحضارة الحديثة التي تصيب أطرافي بعجز على الحلم .. جلجامش أضاع النبتة و لكنه عثر على الخلود, أنكيدو صارع الثور البري , فقد حياته لكنه لم يفقد ذكره عند صديقه , أدونيس , أضاع وجوده في العالم السفلي لكننا لم نضيع حتى الآن الربيع .. التاريخ ينصف الجميع و الميثولوجيا ,, تليق بالجميع .. و أنا بينهم جسد مضرج بالحياة تسكنه ذاكره مازالت قبل الميلاد لا يغريها الحاضر كثيرا , تبحث في أصول الأشياء و تقرأ الشعر بإفراط . , جل ما يستهويني العثور على فائض من يومي , لأغمض عيناي بسكون , و أحلم ,, بأني في الوقت الحاضر , أضع كل المشاكل وراء ظهري , أغمد كل تشتتي في قلب الأرض و أتكئ على الوقت و أمتص منه القدر الذي أريد .. 15.11.2006 ....
.
.
الاربعاء, 22 نوفمبر, 2006
عندها ,, أسمع صوت الخادمة تطرق باب غرفتي و تدعوني لتناول العشاء مع العائلة ..
ماهذا التناقض حتى في التعاطي مع الأحلام ؟!
<<الصفحة الرئيسية
.
.








