
( الدراما هي الحيـاة , مقتطع منها اللحظات المملة ) – آلفرد هتشكوك – ماذا لو كانت لحظات مللك هي محور حياتك بأسرها و لا سبيل لاقتطاعها .. هذه المرة الأولى التي أنظر فيها للملل على أنه حالة تستدعي الدراسة و الاهتمام أكثر , ليلة البارحة و قبل أن أخلد للنوم كنت أفكر بسير الأيام الثلاثة الماضية , تبدوا مملة إلى حد فاضح , كل ما كنت أفعله هو الذهاب للجامعة صباحا , العودة بعد الظهر ثم الاستسلام لنوم متقطع يتخلله بعض الصفحات من ( الكوميديا الإلهية , لـ دانتي ) . أي حالة هذه التي ترغمني على تفقد وجود أحلامي , أصاب بالذعر لمجرد التفكير بأنها قد تختفي , هذه المجنونة التي جاءت بي إلى هنا ترحل و تبقيني على حافة الوقت أنتظر مروره .. تغيب , كما فعلتُ يوما , في غمرة الغياب , حتى إذا عدت فقدت وجودي و هوية المكان ,, في إحدى لحظات مللي الكثيرة , خرجت للمشي في شارعنا الهادئ , الساعة لم تتجاوز السابعة مساء , و الجو بدأ في التحسن شيئا فشيئا , هذا الشارع كم احتل من أماكن في ذاكرتي , مررت بالقرب من محل التحف الذي يقع في منتصفه , هذا المحل كثيرا ما كان يؤجر لأغراض مختلفة , كلما عدت من السفر وجدته يبيع بضاعة مختلفة , أثناء زيارتي الماضية كان قد تحول من محل صغير للمفروشات لمتجر هدايا رائع . جدرانه ملونة تماما كما أحب , على رفوفه الكثير من الهدايا الصغيرة و الألعاب , ما إن تدخل حتى تفاجئ برائحة اللافندر الرقيقة التي تحط على جسدك و تتحول داخلك إلى ذكرى جميلة جدا ,, الأضواء خافته بالداخل و المكان مملوء بالشموع و التفاصيل الدافئة .. هذا المحل زرته أكثر من مرة , كنت أشتري منه الكثير من الهدايا التي أعطيها لصديقاتي بمجرد عودتي من السفر , الآن مدن السفر أصبحت هي البيت , و الأصدقاء أصبحوا كعابري طريق خدشوا قافلتي المترفة , الهدايا قابعة الآن عندهم , وسط غرفهم البعيدة ,, كلما نظروا إليها تذكروا تلك الأيام و الفتاة التي أعطتهم مكانا في قلبها و القليل من التذكارات ,, ربما هو الخوف من النسيان ما يدعوني لتدوين كل لحظه في حياتي , لحفظ كل دقيقه على هيئة جرعات مهدئة أتناولها في ليلي المضطرب , لترك بصمات في حياة كل من مر في حياتي , حتى العابرين السريعي المرور , لهم مكانا في ذاكرتي , و أحرص على أن أترك مكانا يليق بي عندهم ,, بعض لحظات الذكرى أصبحت أقرب إلى مني , من الشجر الذي يسكن لون عيوني و التعابير التي أرسمها على وجهي كلما شعرت بالضجر .. هذه اللحظات , وجـه يوم الولادة , معطف شتائي طويل نخبئ في حواشيه رفاتنا عندما يغتالنا البرد , أرجوحة تستحضر المطر عند كل حركة و طفلة مجنونة الشعر تهرب منا عندما يصيبنا الفرح ... هذه اللحظات تبدو أكبر مني , من عمري الحقيقي , من سعة عقلي للتقبل ,, تبدو أطول بكثير من الحياة التي أعيشها , ربما هي لا تخصني جميعها ,, ربما هي فتات روح عاشت قبلي , أو سهم صور تكسر على بابي ... معتمة , معتقة بغموض , يشوبها اختلاط الملامح , و الجهل بأسباب الوجود .. كما شوقنا الدائم و الغامض للمطر , للموت الذي يذيقنا برازخ الولادة كلها , للشتاء الذي يقال لنا سهوا ,, أننا ولدنا من خلاله ,و فيه و من أجله .. ... رغم إرادتنا .. المحل هذا مررت بقربه ذلك المساء , منذ أن وصلت هنا لاحظت تغير بضاعته من الهدايا الملونة للتحف الخشبية القديمة , تستهويني كثيرا التحف و المنحوتات الرأسية , أحتفظ بغرفتي بثلاثة تماثيل أقربها إلى قلبي رأس فينوس المصنوع من الحجر الأسود و الذي يعطي عند انعكاس الضوء عليه لونا رائعا يشبه الماء , اشتريته منذ سنة , و حتى هذه اللحظة مازلت أفاجئ بالجمال الذي يسكن تفاصيله الدقيقة . منذ فتره كنت في حديث مع ابنة عمي و التي تدرس الهندسة المعمارية عن إحدى مشاريعها , قامت بوضع تصميم لمكتبة, ذهلت عندما أخبرتني عنها , و كأنها تسللت إلى مخيلتي و رسمت صورة المكتبة التي أحلم بها , بجدرانها الأرجوانية و الرفوف التي تملئ المكان , هذه المكتبة التي أحلم بها , في وسطها كراسي جلدية بنية اللون , بالقرب من المكتب الذي أقضي معظم وقتي عليه , على الجدران لوحاتي المفضلة (The Good Shepherd لـ موريللو , و LAmour et Psyche enfants لـ وليام بوجويريو ) و على الرفوف آلاف الكتب التي تكفيني لـ ( مائه عام من العزلة ) .. دخلت للمحل لإلقاء نظرة على التحف , البائع في أقصى المحل يجلس وراء طاولة ممتلئة بالأوراق و العتمة, يدخن سيجارته دون الانتباه لدخولي , ربما يتجاهلني .. الديكور تغير كثيرا عما كان عليه من قبل , في أرجاء المكان منحوتات خشبية و لوحات تبدو عليها جميعها أنها من جنوب أفريقيا , الأجساد السوداء , الملامح الجاحظة , التعابير المتوحشة , كأني وسط أحدى قبائل الزولو الأفريقية ,, أتجول في الأرجاء بحثا عن شيء يستدعي الاقتناء , رائحة التبغ تضيق علي المكان أكثر فأكثر و السواد الذي يحيط بي من كل جانب يدعوني للهرب ,, تماما كما أهرب من منزلنا إلى منزل جدتي عندما تزورنا صديقة أمي التي لا أحبها إطلاقا , تزعجني ضحكتها الصاخبة جدا و التي تطلقها بسبب و بدون سبب , عوضا عن السيجارة التي لا تفارق أصابعها و التي تسبب رائحتها لي الحساسية ,, كما هربت ذات مساء من التحدث مع شاعري المفضل لمجرد خوفي من أن تخونني الكلمات كالعادة .. خرجت من المحل دون الرغبة في العودة إليه , أكملت سيري في الشارع و قررت الدخول إلى بيت عمي الذي أصبحت قريبة منه , في التاسعة عدت إلى منزلي بالكثير من الذكريات المسترجعة و شعر مثقل برائحة التبغ ,, أعتذر مني , من المساء الممل الذي حاولت التغلب عليه بجرعة ضجر لا نفع لها , من شعري المتضايق تماما مثلي , من صفحات الكوميديا الالهيه التي لم أنتهي منها حتى الآن,, ماذا لو اقتطعت لحظات الملل من حياتي , الدراما ستصبح بيضاء , فارغة لا تفاصيل تملؤها , ربما هتشكوك كان مخطئا هذه المرة , ربما الدراما هي الحياة بأكملها مع لحظات مللها التي تعطيها طعم الحموضة , ربما الحياة دون لحظات مللها دراما من نوع آخر ,, دراما لعالم آخر ,, و حياة ليست ببعيدة .. أكتوبر – 2006 
<<الصفحة الرئيسية








